ابن كثير

6

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

المجلس المتعقب لعقد البيع ، وليس هذا منافيا للزوم العقد ، بل هو من مقتضياته شرعا ، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود . وقوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ هي الإبل والبقر والغنم ، قاله أبو الحسن وقتادة وغير واحد ، قال ابن جرير « 1 » : وكذلك هو عند العرب ، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت ، وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق مجالد عن أبي الوداك جبير بن نوفل ، عن أبي سعيد قال : قلنا : يا رسول اللّه ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله ؟ فقال « كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه » « 2 » وقال الترمذي : حديث حسن ، قال أبو داود : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عتاب بن بشير ، حدثنا عبيد اللّه بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد اللّه ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال « ذكاة الجنين ذكاة أمه » تفرد به أبو داود . وقوله إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير ، وقال قتادة : يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم اللّه عليه والظاهر - واللّه أعلم - أن المراد بذلك قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ « 3 » فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ، ولهذا قال إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ يعني منها فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه ، ولهذا قال تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال . وقوله تعالى : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قال بعضهم : هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم ، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر ، فاستثنى من الإنسي ما تقدم ، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام ، وقيل : المراد أحللنا لكم الأنعام ، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد ، وهو حرام لقوله فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد ، وهكذا هنا أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام ، فإن اللّه قد حكم بهذا ، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ، ولهذا قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 389 . ( 2 ) هذا الحديث والذي بعده أخرجهما أبو داود في سننه ( أضاحي باب 17 ) ( 3 ) أي ما يأتي بيانه في الآية الثالثة من هذه السورة .