ابن كثير
487
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وكذا روى ابن جريج عن عطاء مثله ، وقال هشيم عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال : في الصلاة وعند الذكر . وقال ابن المبارك عن بقية : سمعت ثابت بن عجلان يقول : سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال : الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة « 1 » ، وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة ، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة . وقال عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا ، قال : السكوت . وقال مبارك بن فضالة عن الحسن : إذا جلست إلى القرآن فأنصت له . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من استمع إلى آية من كتاب اللّه كتبت له حسنة مضاعفة ، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة » تفرد به الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 205 إلى 206 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) يأمر تعالى بذكره أول النهار واخره كثيرا ، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ ق : 39 ] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، وهذه الآية مكية . وقال هاهنا : بالغدو ، وهو أول النهار ، والآصال جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين ، وأما قوله تَضَرُّعاً وَخِيفَةً أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرا ، ولهذا قال وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا ، ولهذا لما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل اللّه عز وجل وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار ، فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم « يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » « 3 » . وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى :
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 164 . ( 2 ) المسند 2 / 341 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 51 ، ومسلم في الذكر حديث 44 ، 45 .