ابن كثير

481

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبابا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه ، قال : سأستأذن لك عليه ، قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر ، فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب فو اللّه ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به ، فقال له الحر ، يا أمير المؤمنين إن اللّه تعالى قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين ، واللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب اللّه عز وجل ، وانفرد بإخراجه البخاري . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس عن عبيد اللّه بن نافع أن سالم بن عبد اللّه بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس ، فقال : إن هذا منهي عنه ، فقالوا : نحن أعلم بهذا منك ، إنما يكره الجلجل الكبير ، فأما مثل هذا فلا بأس به ، فسكت سالم وقال وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 1 » . وقول البخاري : العرف المعروف ، نص عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جرير وغير واحد ، وحكى ابن جرير « 2 » : أنه يقال أوليته معروفا وعارفا ، كل ذلك بمعنى المعروف ، قال : وقد أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأمر عباده بالمعروف ، ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن الجاهلين ، وذلك وإن كان أمرا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق اللّه ، ولا بالصفح عمن كفر باللّه وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب « 3 » . وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال : هذه أخلاق أمر اللّه بها نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ودله عليها ، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس ، فقال : خُذِ الْعَفْوَ وأمر بعرف كما * أمرت وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ولن في الكلام لكل الأنام * فمستحسن من ذوي الجاه لين وقال بعض العلماء : الناس رجلان ، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه ، وإما مسيء فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه ، فلعل ذلك أن يرد كيده ، كما قال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون : 96 - 98 ] وقال تعالى :

--> ( 1 ) انظر الأثر في الدر المنثور 3 / 281 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 154 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 154 .