ابن كثير

477

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة ، وكأنه - واللّه أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب ، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ، كما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر ، حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها : أتطيعيني ويسلم لك ولدك ، سميه عبد الحارث ، فلم تفعل ، فولدت فمات ، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل ، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة ، فهيبهما فأطاعا . وهذه الآثار يظهر عليها - واللّه أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب ، وقد صح الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم » « 1 » ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام ، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب اللّه أو سنة رسوله ، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا ، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » « 2 » وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله « فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم » وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر ، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث ، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه اللّه في هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء ، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ولهذا قال اللّه فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم قال فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين ، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس ، كقوله وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [ الملك : 5 ] الآية ، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها ، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها ، ولهذا نظائر في القرآن ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشهادات باب 29 ، وتفسير سورة 2 ، باب 11 ، والاعتصام باب 25 ، والتوحيد باب 51 ، وأبو داود في العلم باب 2 ، وأحمد في المسند 4 / 136 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 50 ، ومسلم في الزهد حديث 72 ، والترمذي في العلم باب 13 ، وابن ماجة في المقدمة باب 5 ، وأحمد في المسند 3 / 39 ، 46 .