ابن كثير
467
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 184 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) يقول تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا هؤلاء المكذبون بآياتنا ما بِصاحِبِهِمْ يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مِنْ جِنَّةٍ أي ليس به جنون ، بل هو رسول اللّه حقا ، دعا إلى حق إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به ، كما قال تعالى : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [ التكوير : 22 ] وقال تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ سبأ : 46 ] يقول : إنما أطلب منكم أن تقوموا قياما خالصا للّه ليس فيه تعصب ولا عناد مَثْنى وَفُرادى ، أي : مجتمعين ومتفرقين . ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في هذا الذي جاءكم بالرسالة من اللّه أبه جنون أم لا ، فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول اللّه حقا وصدقا ، وقال قتادة بن دعامة : ذكر لنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان على الصفا فدعا قريشا ، فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان ، يا بني فلان فحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه ، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح ، فأنزل اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 185 ] أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) يقول تعالى : أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك اللّه وسلطانه في السماوات والأرض ، وفيما خلق من شيء فيهما ، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به ، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه ، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له فيؤمنوا به ويصدقوا رسوله ، وينيبوا إلى طاعته ، ويخلعوا الأنداد والأوثان ، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم ويصيروا إلى عذاب اللّه وأليم عقابه . وقوله فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يقول فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وترهيبه ، الذي أتاهم به من عند اللّه في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند اللّه عز وجل ؟ . وقد روى الإمام أحمد « 2 » : عن حسن بن موسى وعفّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث ، كلهم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « رأيت ليلة أسري بي كذا ، فلما انتهينا إلى السماء السابعة
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 134 ، 135 . ( 2 ) المسند 2 / 353 ، 363 .