ابن كثير
426
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به . ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء قيل كانت الألواح من جوهر وإن اللّه تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال اللّه تعالى فيها : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ [ القصص : 43 ] وقيل الألواح أعطيها موسى قبل التوراة واللّه أعلم ، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها واللّه أعلم . وقوله فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي بعزم على الطاعة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه « 1 » . وقوله سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب . قال ابن جرير « 2 » : وإنما قال سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ كما يقول القائل لمن يخاطبه سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره ، ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري وقيل معناه سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي : من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل : منازل قوم فرعون والأول أولى واللّه أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه واللّه أعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 146 إلى 147 ] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 ) يقول تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس بغير حق ، أي كما استكبروا بغير حق أذلهم اللّه بالجهل كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 110 ] وقال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] وقال بعض السلف : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر ، وقال آخر : من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذلك الجهل أبدا ، وقال سفيان بن عيينة في قوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال : أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 59 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 59 .