ابن كثير
389
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 65 إلى 69 ] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 65 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) يقول تعالى وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا قال محمد بن إسحاق هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح قلت هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم اللّه وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر كما قال تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [ الفجر : 6 - 8 ] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل . قال محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد اللّه بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة « 1 » حمراء ذا أراك وسدر « 2 » كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت . هل رأيته ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ؟ واللّه إنك لتنعته نعت رجل قد رآه ، قال لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي وما شأنه يا أمير المؤمنين ؟ قال فيه قبر هود عليه السلام رواه ابن جرير « 3 » . وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هودا عليه السلام دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا لأن الرسل إنما يبعثهم اللّه من أفضل القبائل وأشرفهم ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه . قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة اللّه وحده كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ ص : 5 ] الآية . قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي لست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من اللّه الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة .
--> ( 1 ) المدرة : الطين رمل فيه . ( 2 ) الأراك والسدر : نبتتان . ( 3 ) تفسير الطبري 5 / 523 .