ابن كثير
37
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 1 » ولكن لم يثبت بهذا اللفظ ، وإنما الذي في صحيح البخاري ، عن عبد الرحمن بن عوف ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أخذ الجزية من مجوس هجر ، ولو سلّم صحة هذا الحديث ، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان ، لا يحل . وقوله تعالى : وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم ، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم ، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به ، من الأكل من كل طعام ، ذكر اسم اللّه عليه ، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها ، والأول أظهر في المعنى ، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم ، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة ، كما ألبس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثوبه لعبد اللّه بن أبي ابن سلول ، حين مات ودفنه فيه ، قالوا : لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه ، فجازاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك بذلك ، فأما الحديث الذي فيه « لا تصحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي » « 2 » فمحمول على الندب والاستحباب ، واللّه أعلم . وقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات ، وذكر هذا توطئة لما بعده ، وهو قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فقيل أراد بالمحصنات الحرائر ، دون الإماء ، حكاه ابن جرير « 3 » عن مجاهد ، وإنما قال مجاهد : المحصنات الحرائر ، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه ، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة ، كما قال في الرواية الأخرى عنه ، وهو قول الجمهور هاهنا ، وهو الأشبه ، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية ، وهي مع ذلك غير عفيفة ، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل : « حشفا وسوء كيلة » « 4 » والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات العفيفات عن الزنا ، كما قال تعالى في الآية الأخرى مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ [ النساء : 25 ] . ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ هل يعم كل كتابية عفيفة ، سواء كانت حرة أو أمة ، حكاه ابن جرير « 5 » عن طائفة من السلف ، ممن فسر المحصنة بالعفيفة ، وقيل : المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات ، وهو
--> ( 1 ) موطأ مالك ( زكاة حديث 42 ) ( 2 ) مسند أحمد 3 / 38 . ( 3 ) تفسير الطبري 4 / 444 . ( 4 ) الحشف : التمر الرديء . والمثل يقال في من تجتمع فيه سيئتان ، كمن يبيعك حشفا وينتقص الكيل . ( 5 ) تفسير الطبري 4 / 444 - 445 .