ابن كثير

30

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

صحيح ، ولم يخرجاه ، وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا حجاج عن ابن جريج ، عن عكرمة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي ، فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة ، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول اللّه ؟ فنزلت الآية ، ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة ، وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية : أنه في قتل الكلاب . وقوله تعالى : مُكَلِّبِينَ يحتمل أن يكون حالا من الفاعل ويحتمل أن يكون حالا من المفعول ، وهو الجوارح ، أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد ، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها ، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره ، أنه لا يحل له ، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء ، ولهذا قال تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ وهو أنه إذا أرسله استرسل ، وإذا أشلاه استشلى « 2 » ، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ، ولا يمسكه لنفسه ، ولهذا قال تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه ، وكان قد ذكر اسم اللّه عليه وقت إرساله ، حل الصيد وإن قتله بالإجماع . وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول اللّه ، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم اللّه ! فقال « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك » . قلت : وإن قتلن ؟ قال « وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأصيب » قلت له : فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب ؟ فقال : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله » وفي لفظ لهما « وإذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه ، فإن أمسك عليك فأدركته حيا ، فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله ، فإن أخذ الكلب ذكاته » وفي رواية لهما « فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه » « 3 » فهذا دليل للجمهور ، وهو الصحيح من مذهب الشافعي ، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث ، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا : لا يحرم مطلقا . ذكر الآثار بذلك قال ابن جرير « 4 » : حدثنا هناد ، حدثنا وكيع عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ،

--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) أي إذا استدعاه إليه تداعى . ( 3 ) صحيح مسلم ( صيد حديث 1 و 5 ) وصحيح البخاري ( ذبائح باب 2 و 90 ) ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 434 .