ابن كثير

288

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقد كانت أخته صفية تحت عبد اللّه بن عمر ، وكانت من الصالحات ، ولما أخبر عبد اللّه بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه ، فقال : صدق ، قال اللّه تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ وقوله تعالى : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف ، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أي وذلك كله بقدر اللّه وقضائه ، وإرادته ومشيئته ، أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء فَذَرْهُمْ أي فدعهم ، وَما يَفْتَرُونَ أي يكذبون . أي دع أذاهم ، وتوكل على اللّه في عداوتهم ، فإن اللّه كافيك وناصرك عليهم ، وقوله تعالى : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أي ولتميل إليه . قاله ابن عباس « 1 » أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم ، وقال السدي : قلوب الكافرين وَلِيَرْضَوْهُ أي يحبوه ويريدوه ، وإنما يستجيب ذلك من لا يؤمن بالآخرة ، كما قال تعالى : فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 161 - 163 ] وقال تعالى : إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات : 8 - 9 ] . وقوله وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وليكتسبوا ما هم مكتسبون ، وقال السدي وابن زيد : وليعملوا ما هم عاملون « 2 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 114 إلى 115 ] أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم قل لهؤلاء المشركين باللّه ، الذين يعبدون غيره أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً أي بيني وبينكم وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا أي مبينا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي من اليهود والنصارى ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ، أي بما عندهم من البشارات بك ، من الأنبياء المتقدمين فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ كقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [ يونس : 94 ] وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي وقوعه ، ولهذا جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « لا أشك ولا أسأل » . وقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا قال قتادة : صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم « 3 » ، يقول صدقا في الأخبار ، وعدلا في الطلب ، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه

--> ( 1 ) أثر ابن عباس في تفسير الطبري 5 / 317 . ( 2 ) الآثار عن السدي وابن زيد وعلي بن طلحة في تفسير الطبري 5 / 317 - 318 . ( 3 ) تفسير الطبري 5 / 319 .