ابن كثير
278
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أنه قال ذلك ، وهذا غريب جدا ، وخلاف ظاهر الآية ، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية ، واللّه أعلم . وقال آخرون : لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك ، فإن الإدراك أخص من الرؤية ، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم . ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو ؟ فقيل معرفة الحقيقة ، فإن هذا لا يعلمه إلّا هو ، وإن رآه المؤمنون ، كما أن من رأى القمر ، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته ، فالعظيم أولى بذلك ، وله المثل الأعلى . قال ابن علية في الآية : هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم . وقال آخرون : الإدراك أخص من الرؤية ، وهو الإحاطة ، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية ، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم ، قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وفي صحيح مسلم « لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا . قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ قال لا يحيط بصر أحد بالملك ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، حدثنا أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، أنه قيل له لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال ألست ترى السماء ؟ قال بلى ، قال فكلها ترى ، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا سعد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] قال هم ينظرون إلى اللّه ، لا تحيط أبصارهم به ، من عظمته ، وبصره محيط بهم ، فذلك قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ . وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هاهنا ، فقال : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ قال « لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا ، صفوا صفا واحدا ، ما أحاطوا باللّه أبدا » غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه ، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة ، واللّه أعلم . وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه ، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، وابن مردويه أيضا ، والحاكم في مستدركه ، من حديث الحكم بن
--> ( 1 ) صحيح مسلم ( صلاة حديث 22 ) ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 294 .