ابن كثير
273
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ثم قال تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ أي فاعل هذا ، هو اللّه وحده لا شريك له فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل ، فتعبدون معه غيره . وقوله فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً أي خالق الضياء والظلام ، كما قال في أول السورة وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح ، فيضيء الوجود ، ويستنير الأفق ، ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه ، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه ، كقوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [ الأعراف : 54 ] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة ، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه ، فذكر أنه فالق الإصباح ، وقابل ذلك بقوله وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً أي ساجيا مظلما ، لتسكن فيه الأشياء ، كما قال وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [ الضحى : 1 - 2 ] وقال وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [ الليل : 1 - 2 ] وقال وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس : 3 - 4 ] وقال صهيب الرومي رضي اللّه عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره : إن اللّه جعل الليل سكنا إلا لصهيب ، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه ، وإذا ذكر النار طار نومه ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي يجريان بحساب مقنن مقدر ، لا يتغير ولا يضطرب ، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء ، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا ، كما قال هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ الآية ، وكما قال لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] وقال وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ * [ الأعراف : 54 ] وقوله ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف ، العليم بكل شيء ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وكثيرا ما إذا ذكر اللّه تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، يختم الكلام بالعزة والعلم ، كما ذكر في هذه الآية ، وكما في قوله وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ يس : 37 - 38 ] . ولما ذكر خلق السماوات والأرض وما فيهن ، في أول سورة حم السجدة ، قال وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت : 12 ] . وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قال بعض السلف : من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على اللّه سبحانه ، أن اللّه جعلها زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، ويهتدى بها في الظلمات البر والبحر . وقوله قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي قد بيناها ووضحناها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يعقلون ويعرفون الحق ، ويتجنبون الباطل .