ابن كثير

268

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال آخرون : ويدخل بنو البنات فيهم أيضا ، لما ثبت في صحيح البخاري ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للحسن بن علي « إن ابني هذا سيد ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » « 1 » فسماه ابنا ، فدل على دخوله في الأبناء . وقال آخرون : هذا تجوز ، وقوله وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ ذكر أصولهم وفروعهم ، وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم ، ولهذا قال وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ثم قال تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق اللّه وهدايته إياهم ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] الآية ، وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع ، كقوله قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] وكقوله لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 17 ] وكقوله لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الزمر : 4 ] . وقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أي أنعمنا عليه - بذلك ، رحمة للعباد بهم ولطفا منا بالخليقة ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي بالنبوة ، ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة ، الكتاب والحكم والنبوة . وقوله هؤُلاءِ يعني أهل مكة ، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد ، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أي إن يكفر بهذه النعم ، من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض ، من عرب وعجم ، وملّيين وكتابيين ، فقد وكلنا بها قوما آخرين أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ، لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أي لا يجحدون منها شيئا ، ولا يردون منها حرفا واحدا ، بل يؤمنون بجميعها ، محكمها ومتشابهها ، جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه وإحسانه ، ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أُولئِكَ يعني الأنبياء المذكورين ، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان ، وهم الأشباه ، الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي هم أهل الهدى لا غيرهم فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ، أي اقتد واتبع ، وإذا كان هذا أمرا للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فأمته تبع له ، فيما يشرعه ويأمرهم به . قال البخاري عند هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره ، أنه سأل ابن عباس أفي ( ص ) سجدة ؟ فقال نعم ، ثم تلا وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ إلى قوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ثم قال هو منهم ، زاد يزيد بن هارون ، ومحمد بن عبيد ، وسهل بن يوسف ، عن العوام عن مجاهد ، قلت لابن عباس فقال نبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم ممن أمر أن يقتدي بهم « 2 » . وقوله تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( فتن باب 20 وصلح باب 9 ) ( 2 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة الأنعام باب 6 )