ابن كثير

256

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فإذا فرغ اللّه من ذلك ، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون اللّه فلا يبقى أحد عبد من دون اللّه ، إلا مثلت له آلهته بين يديه ، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير ، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم . ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى ، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار ، وهو الذي يقول لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ [ الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبق إلا المؤمنون ، فيهم المنافقون ، جاءهم اللّه فيما شاء من هيئته فقال : يا أيها الناس ، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون ، فيقولون : واللّه ما لنا إله إلا اللّه ، وما كنا نعبد غيره ، فينصرف عنهم ، وهو اللّه الذي يأتيهم ، فيمكث ما شاء اللّه أن يمكث ثم يأتيهم ، فيقول : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون . فيقولون : واللّه ما لنا إله إلا اللّه ، وما كنا نعبد غيره ، فيكشف لهم عن ساقه ، ويتجلى لهم من عظمته ، ما يعرفون أنه ربهم فيخرون للأذقان سجدا على وجوههم ، ويخر كل منافق على قفاه ، ويجعل اللّه أصلابهم كصياصي « 1 » البقر ، ثم يأذن اللّه لهم فيرفعون ويضرب اللّه الصراط بين ظهراني جهنم ، كحد الشفرة أو كحد السيف ، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان « 2 » ، دونه جسر دحض « 3 » مزلة ، فيمرون كطرف العين أو كلمح البرق ، أو كمر الريح أو كجياد الخيل ، أو كجياد الركاب ، أو كجياد الرجال ، فناج سالم ، وناج مخدوش ومكردس « 4 » على وجهه في جهنم ، فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة ، قالوا : من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة ؟ فيقولون : من أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام ، خلقه اللّه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا ، فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل اللّه ، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ويقول : عليكم بإبراهيم فإن اللّه اتخذه خليلا ، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ويقول : عليكم بموسى فإن اللّه قربه نجيا وكلمه وأنزل عليه التوراة . فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه ، فيذكر ذنبا ويقول : لست بصاحب ذلك ، ولكن عليكم بروح اللّه وكلمته عيسى ابن مريم ، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه ، فيقول : « ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد » قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن ، فأنطلق فآتي الجنة ، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح ، فيفتح لي فأحيا ويرحب بي ، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا ، فيأذن اللّه لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ، ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد واشفع

--> ( 1 ) صياصي البقر : قرونها . ( 2 ) السعدان : نبات شوكي . ( 3 ) دحض : زلق . ( 4 ) المكردس : الذي جمعت يداه ورجلاه وألقي في موضع .