ابن كثير

251

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

إلى هدى اللّه عز وجل ، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ، إذ ناداه مناد : يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق ، وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق ، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة ، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى ، اهتدى إلى الطريق ، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان ، يقول : مثل من يعبد هذه الآلهة من دون اللّه ، فإنه يرى أنه في شيء ، حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة ، وقوله كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ هم الغيلان يَدْعُونَهُ باسمه واسم أبيه وجده ، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة ، وربما أكلته ، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون اللّه عز وجل ، رواه ابن جرير « 1 » . وقال ابن أبي نجيح : عن مجاهد ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي « 2 » . وقال العوفي عن ابن عباس قوله كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ هو الذي لا يستجيب لهدى اللّه ، وهو رجل أطاع الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وحاد عن الحق ، وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى ، يقول اللّه ذلك لأوليائهم من الإنس ، إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ والضلال ما يدعو إليه الجن ، رواه ابن جرير « 3 » ، ثم قال : وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى ، قال وهذا خلاف ظاهر الآية ، فإن اللّه أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى ، فغير جائز أن يكون ضلالا ، وقد أخبر اللّه أنه هدى . وهو كما قال ابن جرير ؛ فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ، وهو منصوب على الحال ، أي في حال حيرته وضلاله وجهله ، وجه المحجة ، وله أصحاب على المحجة سائرون ، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى ، وتقدير الكلام فيأبى عليهم ، ولا يلتفت إليهم ، ولو شاء اللّه لهداه ولرد به إلى الطريق ، ولهذا قال قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى كما قال وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [ الزمر : 37 ] وقال إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ النحل : 37 ] . وقوله وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي نخلص له العبادة ، وحده لا شريك له ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ، وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي يوم القيامة وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالعدل فهو

--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 232 - 233 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 233 . ( 3 ) المصدر السابق .