ابن كثير
248
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [ الملك : 16 - 17 ] وفي الحديث « ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ » وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها ، وظهور الآيات قبل يوم القيامة ، وستأتي في موضعها إن شاء اللّه تعالى . وقوله أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يعني يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين . قال الوالبي عن ابن عباس : يعني الأهواء ، وكذا قال مجاهد وغير واحد ، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة » . وقوله تعالى : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال ابن عباس وغير واحد : يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل . وقوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها ، لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ أي يفهمون ويتدبرون عن اللّه آياته وحججه وبراهينه . قال زيد بن أسلم : لما نزلت قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ الآية ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف » قالوا ونحن ونشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، قال « نعم » فقال بعضهم : لا يكون هذا أبدا أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون ، فنزلت انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 66 إلى 69 ] وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) يقول تعالى : وَكَذَّبَ بِهِ أي بالقرآن الذي جئتهم به ، والهدى والبيان ، قَوْمُكَ يعني قريشا وَهُوَ الْحَقُّ أي الذي ليس وراءه حق قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي لست عليكم بحفيظ ، ولست بموكل بكم ، كقوله وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] أي إنما عليّ البلاغ ، وعليكم السمع والطاعة ، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة ، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ قال ابن عباس وغير واحد : أي لكل نبأ حقيقة ، أي لكل خبر وقوع ، ولو بعد حين ، كما قال وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ ص : 88 ] وقال لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 37 ] وهذا تهديد ووعيد أكيد ، ولهذا قال بعده وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .