ابن كثير
238
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 60 إلى 62 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ( 62 ) يقول تعالى إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل ، وهذا هو التوفي الأصغر ، كما قال تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ الزمر : 42 ] فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى ، وهكذا ذكر في هذا المقام ، حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى ، فقال وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار ، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم ، في حال سكونهم وحال حركتهم ، كما قال سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ وكما قال تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] أي في النهار كما قال وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 10 - 11 ] ولهذا قال تعالى هاهنا وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي ما كسبتم من الأعمال فيه ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي في النهار ، قاله مجاهد وقتادة والسدي « 1 » . وقال ابن جريج : عن عبد اللّه بن كثير ، أي في المنام والأول أظهر ، وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه ، فإن أذن اللّه في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه » فذلك قوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ « 2 » . وقوله لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى يعني به أجل كل واحد من الناس ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ أي يوم القيامة ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ أي فيخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وقوله وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان ، كقوله لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [ الانفطار : 10 ] الآية وكقوله عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 - 18 ] وقوله إِذْ يَتَلَقَّى
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 213 . ( 2 ) الدر المنثور 3 / 29 .