ابن كثير

233

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر . وقال سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه ، قال : قال سعد : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، منهم ابن مسعود ، قال : كنا نستبق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وندنو منه ، فقالت قريش : تدني هؤلاء دوننا ، فنزلت وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان ، وقال : على شرط الشيخين ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به . وقوله وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ، لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان غالب من اتبعه في أول بعثته ، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ، ولم يتبعه من الأشرف إلا قليل ، كما قال قوم نوح لنوح وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [ هود : 27 ] الآية ، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل ، فقال له : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم ، فقال : هم أتباع الرسل ، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ، ويعذبون من يقدرون عليه منهم ، وكانوا يقولون : أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا ؟ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير ، لو كان ما صاروا إليه خيرا ويدعنا ، كقولهم لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وكقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [ الأحقاف : 11 ] قال اللّه تعالى في جواب ذلك وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً [ مريم : 73 ] وقال في جوابهم حين قالوا : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له ، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] وفي الحديث الصحيح : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 1 » . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ الآية ، قال : جاء عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومطعم بن عدي ، والحارث بن نوفل ، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف ، من أهل الكفر ، إلى أبي طالب ، فقالوا : يا أبا طالب لو أن ابن

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده 2 / 285 من حديث أبي هريرة . وفيه « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم . . . » . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 200 - 201 .