ابن كثير
226
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الآية ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ، ويتابعوه على الهدى ، فأخبره اللّه أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من اللّه السعادة في الذكر الأول « 1 » . وقوله تعالى إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه ، كقوله لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [ يس : 70 ] . وقوله وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني بذلك الكفار ، لأنهم موتى القلوب ، فشبههم اللّه بأموات الأجساد ، فقال وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 37 إلى 39 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) يقول تعالى مخبرا عن المشركين ، أنهم كانوا يقولون لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ، ومما يتعنتون كقولهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] الآيات قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي هو تعالى قادر على ذلك ، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك ، لأنه لو أنزل وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا ، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة ، كما قال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [ الإسراء : 95 ] وقال تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] . وقوله وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ قال مجاهد : أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها . وقال قتادة : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة ، وقال السدي إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي خلق أمثالكم « 2 » . وقوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي الجميع علمهم عند اللّه ، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره ، سواء كان بريا أو بحريا ، كقوله
--> ( 1 ) في تفسير الطبري 5 / 184 من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : « يقول اللّه سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين » . ( 2 ) الآثار عن مجاهد وقتادة والسدي في تفسير الطبري 5 / 186 .