ابن كثير
221
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فَيَحْلِفُونَ لَهُ [ المجادلة : 18 ] الآية ، وهكذا قال في حق هؤلاء انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ كقوله ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا [ غافر : 73 - 74 ] الآية . وقوله وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي يجيئون ليستمعوا قراءتك ، ولا تجزي عنهم شيئا لأن اللّه جعل على قلوبهم أكنة أي أغطية ، لئلا يفقهوا القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي صمما عن السماع النافع لهم ، كما قال تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [ البقرة : 171 ] الآية ، وقوله وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين ، لا يؤمنوا بها فلا فهم عندهم ولا إنصاف ، كقوله تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [ الأنفال : 23 ] الآية . وقوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أي يحاجونك ويناظرونك ، في الحق بالباطل ، يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا الذي جئت به ، إلا مأخوذا من كتب الأوائل ، ومنقول عنهم . وقوله وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ في معنى ينهون عنه قولان ، [ أحدهما ] : أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي ويبعدونهم عنه ، فيجمعون بين الفعلين القبيحين ، لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ يردون الناس عن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يؤمنوا به . وقال محمد ابن الحنفية : كان كفار قريش لا يأتون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وينهون عنه ، وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد ، وهذا القول أظهر ، واللّه أعلم ، وهو اختيار ابن جرير [ والقول الثاني ] رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى الناس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يؤذى ، وكذا قال القاسم بن مخيمرة ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعطاء بن دينار ، وغيره ، أنها نزلت في أبي طالب وقال سعيد بن أبي هلال : نزلت في عمومة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا عشرة ، فكانوا أشد الناس معه في العلانية ، وأشد الناس عليه في السر ، رواه ابن أبي حاتم ، وقال محمد بن كعب القرظي وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ أي ينهون الناس عن قتله ، وقوله وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يتباعدون منه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ أي وما يهلكون بهذا الصنيع ، ولا يعود وباله إلا عليهم ، وهم لا يشعرون .