ابن كثير
219
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 17 إلى 21 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) يقول تعالى مخبرا : أنه مالك الضر والنفع ، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كقوله تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [ فاطر : 2 ] الآية ، وفي الصحيح : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول « اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد » « 1 » ولهذا قال تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي وهو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة ، وعنت له لوجوه ، وقهر كل شيء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه ، وعظمته وعلوه ، وقدرته على الأشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه ، وتحت قهره وحكمه ، وَهُوَ الْحَكِيمُ أي في جميع أفعاله الْخَبِيرُ بمواضع الأشياء ومحالها ، فلا يعطي إلا من يستحق ، ولا يمنح إلا من يستحق . ثم قال قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً أي من أعظم الأشياء شهادة قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي هو العالم بما جئتكم به ، وما أنتم قائلون لي ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أي وهو نذير لكل من بلغه ، كقوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع وأبو أسامة ، وأبو خالد ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، في قوله : وَمَنْ بَلَغَ من بلغه القرآن ، فكأنما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، زاد أبو خالد وكلمه . ورواه ابن جرير « 2 » من طريق أبي معشر : عن محمد بن كعب ، قال : من بلغه القرآن ، فقد أبلغه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال عبد الرزاق : عن معمر عن قتادة ، في قوله تعالى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « بلغوا عن اللّه فمن بلغته آية من كتاب اللّه ، فقد بلغه أمر اللّه » وقال الربيع بن أنس : حق على من اتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يدعو كالذي دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن ينذر بالذي أنذر . وقوله أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أيها المشركون أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ كقوله فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . ثم قال تعالى مخبرا عن أهل الكتاب : أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به ، كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء ، عن المرسلين المتقدمين والأنبياء ، فإن الرسل كلهم
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( أذان باب 155 واعتصام باب 3 ودعوات باب 17 ) وصحيح مسلم ( صلاة حديث 194 ومساجد حديث 137 - 138 ) ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 162 .