ابن كثير
217
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عليهم ما يخلطون ، وقال الوالبي عنه : ولشبهنا عليهم « 1 » . وقوله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تكذيب من كذبه من قومه ، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة ، في الدنيا والآخرة . ثم قال تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي فكروا في أنفسكم ، وانظروا ما أحل اللّه بالقرون الماضية ، الذين كذبوا رسله ، وعاندوهم ، من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا ، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم ، في الآخرة ، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 16 ] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض ومن فيهما ، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة ، كما ثبت في الصحيحين ، من طريق الأعمش : عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه لما خلق الخلق ، كتب كتابا عنده فوق العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي » « 2 » . وقوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ هذه اللام هي الموطئة للقسم ، فأقسم بنفسه الكريمة ، ليجمعن عباده إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه ، أي لا شك فيه عند عباده المؤمنين ، فأما الجاحدون المكذبون ، فهم في ريبهم يترددون ، وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا عبيد اللّه بن أحمد بن عقبة ، حدثنا عباس بن محمد ، حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا محصن بن عتبة اليماني ، عن الزبير بن شبيب ، عن عثمان بن حاضر ، عن ابن عباس ، قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوقوف بين يدي رب العالمين ، هل فيه ماء ؟ قال والذي نفسي بيده إن فيه لماء ، إن أولياء اللّه ليردون حياض الأنبياء ، ويبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك ، في أيديهم عصي من نار ، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء » ، هذا حديث غريب ، وفي الترمذي « إن لكل نبي حوضا ، وأرجو أن أكون
--> ( 1 ) الأثر في تفسير الطبري 5 / 153 . ( 2 ) صحيح البخاري ( توحيد باب 15 و 22 و 28 و 55 وبدء الخلق باب 1 ) وصحيح مسلم ( توبة حديث 14 - 16 )