ابن كثير

19

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : وَما أَكَلَ السَّبُعُ أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب ، فأكل بعضها فماتت بذلك ، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها ، فلا تحل بالإجماع ، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك ، فحرم اللّه ذلك على المؤمنين . وقوله إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته ، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة ، وذلك إنما يعود على قوله وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يقول : إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه ، فهو ذكي ، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه ، عن علي في الآية قال : إن مصعت « 1 » بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها ، فكل . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين ، حدثنا هشيم وعباد ، قالا : حدثنا حجاج عن حصين ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي قال : إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة ، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها . وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد : أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح ، فهي حلال ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل . قال ابن وهب : سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها ، فقال مالك : لا أرى أن تذكى ، أي شيء يذكى منها ؟ وقال أشهب : سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره ، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل ؟ فقال : إن كان قد بلغ السّحرة « 3 » فلا أرى أن يؤكل ، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا ، قيل له : وثب عليه فدق ظهره ؟ فقال : لا يعجبني هذا لا يعيش منه . قيل له : فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء ؟ فقال : إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل ، هذا مذهب مالك رحمه اللّه . وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه اللّه من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية ، واللّه أعلم . وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال : قلت : يا رسول اللّه ، إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟ فقال « ما أنهر الدم ، وذكر اسم اللّه عليه ، فكلوه ، ليس السن

--> ( 1 ) مصعت بذنبها : حركته . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 411 . ( 3 ) السحرة : القلب .