ابن كثير

184

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ثم قام عمر - أو قال : فأنشأ عمر - فقال : رضينا باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا عائذا باللّه - أو قال : أعوذ باللّه من شر الفتن - قال : وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لم أر في الخير والشر كاليوم قط ، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط » ، أخرجاه من طريق سعيد ، ورواه معمر عن الزهري ، عن أنس بنحو ذلك ، أو قريبا منه . قال الزهري : فقالت أم عبد اللّه بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قط ، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية ، فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال : واللّه لو ألحقني بعبد أسود للحقته . وقال ابن جرير « 1 » أيضا : حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا قيس عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو غضبان ، محمار وجهه ، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال : « في النار » ، فقام آخر فقال : من أبي ؟ فقال « أبوك حذافة » ، فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول اللّه حديثو عهد بجاهلية وشرك ، واللّه أعلم من آباؤنا . قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ الآية ، إسناده جيد ، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف ، منهم أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ قال : غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما من الأيام ، فقام خطيبا فقال « سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به » فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد اللّه بن حذافة ، وكان يطعن فيه ، فقال : يا رسول اللّه ، من أبي ؟ فقال : أبوك فلان ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر بن الخطاب ، فقبل رجله وقال : يا رسول اللّه ، رضينا باللّه ربا ، وبك نبيا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، فاعف عنا عفا اللّه عنك ، فلم يزل به حتى رضي فيومئذ قال « الولد للفراش ، وللعاهر الحجر » . ثم قال البخاري « 2 » : حدثنا الفضل بن سهل ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : كان قوم يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل اللّه فيهم هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ حتى فرغ من الآية كلها ، تفرد به البخاري . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا منصور بن وردان الأسدي ، حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه ، عن أبي البختري وهو سعيد بن فيروز ، عن علي قال : لما نزلت هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا : يا رسول اللّه ، أفي كل عام ؟ فسكت ، فقالوا :

--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 83 . ( 2 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة المائدة باب 11 ) ( 3 ) مسند أحمد 1 / 113 .