ابن كثير

177

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قلت : فهل في العهود من حد تعلمه ؟ قال : لا ، قال قلت : فترى حقا على الإمام أن يعاقبه ؟ قال : لا ، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين اللّه عز وجل ، ولكن يفتدي » رواه ابن جرير « 1 » . وقيل : معناه فينتقم اللّه منه بالكفارة ، قاله سعيد بن جبير وعطاء ، ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء ، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة ، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، قال : من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم ، يحكم عليه فيه كلما قتله ، فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة ، فإن عاد يقال له : ينتقم اللّه منك ، كما قال اللّه عز وجل . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي ، جميعا عن هشام هو ابن حسان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فيمن أصاب صيدا يحكم عليه ثم عاد قال : لا يحكم عليه ، ينتقم اللّه منه . وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي ، رواهن ابن جرير ، ثم اختار القول الأول . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن يزيد العبدي ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن زيد بن أبي المعلى ، عن الحسن البصري أن رجلا أصاب صيدا فتجوز عنه ، ثم عاد فأصاب صيدا آخر ، فنزلت نار من السماء فأحرقته ، فهو قوله وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ . وقال ابن جرير « 3 » في قوله وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ يقول ، عز ذكره : واللّه منيع في سلطانه ، لا يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع ، لأن الخلق خلقه ، والأمر أمره ، له العزة والمنعة . وقوله ذُو انْتِقامٍ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 96 إلى 99 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس في رواية عنه ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير وغيرهم ، في قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ يعني ما يصطاد منه طريا وَطَعامُهُ ما يتزود منه مليحا يابسا ، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه : صيده ما أخذ منه حيا

--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 59 - 60 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 62 . ( 3 ) تفسير الطبري 5 / 64 .