ابن كثير
149
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني بذلك موالاتهم للكافرين ، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم ، وأسخطت اللّه عليهم سخطا مستمرا إلى يوم معادهم ، ولهذا قال أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفسر بذلك ما ذمهم به ، ثم أخبر عنهم أنهم وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ يعني يوم القيامة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا مسلم بن علي عن الأعمش بإسناد ذكره ، قال « يا معشر المسلمين ، إياكم والزنا ، فإن فيه ست خصال : ثلاثا في الدنيا ، وثلاثا في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء ، ويورث الفقر ، وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب ، وسوء الحساب ، والخلود في النار » ، ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هكذا ذكره ابن أبي حاتم . وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار عن مسلمة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكره ، وساقه أيضا من طريق سعيد بن غفير عن مسلمة ، عن أبي عبد الرحمن الكوفي ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر مثله ، وهذا حديث ضعيف على كل حال ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ أي لو آمنوا حق الإيمان باللّه والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن ، ومعاداة المؤمنين باللّه والنبي وما أنزل إليه ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي خارجون عن طاعة اللّه ورسوله ، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 82 إلى 86 ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن ، بكوا حتى أخضلوا لحاهم « 1 » ، وهذا القول فيه نظر ، لأن هذه الآية مدنية ، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة . وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما : نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته ، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا ، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه . قال السدي :
--> ( 1 ) الأثر في الطبري 5 / 4 .