ابن كثير

145

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 78 إلى 81 ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام ، وعلى لسان عيسى ابن مريم ، بسبب عصيانهم للّه واعتدائهم على خلقه . قال العوفي ، عن ابن عباس : لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان ، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم ، فقال تعالى كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أي كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم ، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه ، فقال : لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ . وقال الإمام أحمد « 1 » رحمه اللّه : حدثنا يزيد . حدثنا شريك بن عبد اللّه عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي ، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا : فجالسوهم في مجالسهم » قال يزيد : وأحسبه قال : « وأسواقهم ، وواكلوهم وشاربوهم ، فضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متكئا ، فجلس فقال « لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » « 2 » . وقال أبو داود « 3 » : حدثنا عبد اللّه بن محمد النفيلي ، حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق اللّه ودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض - ثم قال - : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قوله فاسِقُونَ - ثم قال - : كلا واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو تقصرنه على الحق قصرا » ، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق علي بن بذيمة به ، وقال الترمذي : حسن غريب ، ثم رواه هو وابن ماجة عن پندار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة مرسلا . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، وهارون بن إسحاق الهمداني ، قالا : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب ، عن عبد اللّه بن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس ، عن ابن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن الرجل

--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 391 . ( 2 ) أصل الأطر العطف والتثنّي : أي لتردوهم إلى الحق وتعطفوهم عليه . ( 3 ) سنن أبي داود ( ملاحم باب 17 )