ابن كثير

121

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين ، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى ، فينفعهم ذلك . عند ذلك قال اللّه تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال السدي : يعني فتح مكة . وقال غيره : يعني القضاء والفصل ، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ . قال السدي : يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى ، فَيُصْبِحُوا يعني الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الموالاة ، نادِمِينَ أي على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئا ، ولا دفع عنهم محذورا ، بل كان عين المفسدة ، فإنهم فضحوا وأظهر اللّه أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين ، لا يدرى كيف حالهم ، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد اللّه المؤمنين ، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين ، ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم وافتراؤهم ، ولهذا قال تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ . وقد اختلف القرّاء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله وَيَقُولُ ، ثم منهم من رفع ويقول على الابتداء ، ومنهم من نصب عطفا على قوله فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فتقديره أن يأتي وأن يقول وقرأ أهل المدينة يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بغير واو ، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير « 1 » . قال ابن جرير عن مجاهد فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ تقديره حينئذ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ . واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات ، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه ، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث . وقال الآخر أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه ، فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآيات ، وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني قريظة فسألوه : ماذا هو صانع بنا ؟ فأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح ، رواه ابن جرير « 2 » . وقيل : نزلت في عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، كما قال ابن جرير « 3 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن إدريس قال : سمعت أبي عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 621 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 616 . ( 3 ) تفسير الطبري 4 / 615 .