ابن كثير

119

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ الأنعام : 116 ] الآية . وقال محمد بن إسحاق « 1 » حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة . عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد اللّه بن صوريا « 2 » وشاس بن قيس ، بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود ، وأشرافهم ، وساداتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه عز وجل فيهم وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ إلى قوله لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . وقوله تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ينكر تعالى على من خرج عن حكم اللّه المحكم المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللّه ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق « 3 » ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى : من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بينه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم اللّه ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ، قال تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي يبتغون ويريدون ، وعن حكم اللّه يعدلون ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي ومن أعدل من اللّه في حكمه لمن عقل عن اللّه شرعه ، وآمن به ، وأيقن وعلم أن اللّه أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ، القادر على كل شيء ، العادل في كل شيء .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / 567 وتفسير الطبري 4 / 614 . ( 2 ) سقط من في رواية الطبري . ( 3 ) وتسمى أيضا « الياسة » . وهي كلمة مفعولية تعني السياسة . قال القلقشندي : وهي قوانين خمنها جنكرخان من عقله وقررها من ذهنه ، رتب فيها أحكاما وحدد فيها حدودا بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية وأكثرها فحالف لذلك سماها الياسة الكبرى . وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته تتوارت عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته ( صبح الأعشى 4 / 314 ) . وذكر القلقشندي شيئا في أحكام الياسة . ويشار إلى أن هولاكو وخلفاءه كانوا يميلون في بداية الأمر إلى البوذية ، ولكن هؤلاء الخلفاء بعد ولاية غازان سنة 690 ه دخلوا في الإسلام وتراوح المذهب الذي يجاهرون به بين السنية والشيعية ( انظر دائرة المعارف الإسلامية 12 / 398 )