ابن كثير

116

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عن ابن عباس : أي مؤتمنا عليه . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المهيمن الأمين ، قال : القرآن أمين على كل كتاب قبله . ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك ، وقال ابن جرير « 1 » : القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله ، فما وافقه منها فهو حق ، وما خالفه منها فهو باطل ، وعن الوالبي عن ابن عباس وَمُهَيْمِناً أي شهيدا ، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي . وقال العوفي عن ابن عباس وَمُهَيْمِناً أي حاكما على ما قبله من الكتب ، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى ، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله ، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله ، جعل اللّه هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ، ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة ، فقال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد ، أنهم قالوا في قوله وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أمين على القرآن فإنه صحيح في المعنى ، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر ، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضا نظر ، وبالجملة فالصحيح الأول . وقال أبو جعفر بن جرير « 2 » بعد حكايته له عن مجاهد : وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب ، بل هو خطأ ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق ، فلا يكون إلا صفة لما كان المصدق صفة له ، قال : ولو كان الأمر كما قال مجاهد لقيل : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، يعني من غير عطف « 3 » . وقوله تعالى : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي فاحكم يا محمد بين الناس ، عربهم وعجمهم ، أميهم وكتابيهم ، بما أنزل اللّه إليك في هذا الكتاب العظيم ، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك ، هكذا وجهه ابن جرير « 4 » بمعناه ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم ، فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 606 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 608 . ( 3 ) أضاف ابن جرير موضحا : لأنه لم يتقدم من صفة ( الكاف ) التي في ( إليك ) بعدها شيء يكون ( مهيمنا عليه ) عطفا عليه ، وإنما عطف به على ( المصدق ) لأنه من صفة ( الكتاب ) الذي من صفته ( المصدق ) ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 609 .