ابن كثير

110

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ، ثالثها أن شرع إبراهيم حجة دون غيره : وصحح منها عدم الحجية ، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي ، وأكثر الأصحاب ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا ، فاللّه أعلم . وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ رحمه اللّه في كتابه « الشامل » ، إجماع العلماء ، على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه ، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة ، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم « أن الرجل يقتل بالمرأة » « 1 » ، وفي الحديث الآخر « المسلمون تتكافأ دماؤهم » « 2 » ، وهذا قول جمهور العلماء ، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية ، لأن ديتها على النصف من دية الرجل ، وإليه ذهب أحمد في رواية ، وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان البستي ، ورواية عن أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل تجب ديتها . وهكذا احتج أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي ، وعلى قتل الحر بالعبد ، وقد خالفه الجمهور فيهما ، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا يقتل مسلم بكافر » « 3 » وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر ، ولا يقتلون حرا بعبد ، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح ، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك ، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة . ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك ، كما قال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا محمد بن أبي عدي ، حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن الربيع عمة أنس ، كسرت ثنية جارية ، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « القصاص » ، فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول اللّه ، تكسر ثنية فلانة ؟ ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا أنس كتاب اللّه القصاص » قال فقال : لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة ، قال : فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبره » أخرجاه في الصحيحين . وقد رواه محمد بن عبد اللّه بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه ، عن حميد ، عن أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، فعرضوا عليهم

--> ( 1 ) سنن النسائي ( قسامة باب 46 ) ( 2 ) سنن النسائي ( قسامة باب 10 و 13 ) وسنن أبي داود ( جهاد باب 147 وديات باب 11 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( علم باب 39 وديات باب 24 و 31 ) وسنن أبي داود ( ديات باب 11 و 147 ) ( 4 ) مسند أحمد 3 / 128 .