ابن كثير
104
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أبي هريرة قال : زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض : اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللّه ، قلنا : فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالس في المسجد في أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدارسهم ، فقام على الباب فقال « أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ » قالوا : يحمم ويجبه ويجلد ، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما ، قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكت ، ألظ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم النشدة « 1 » ، فقال : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « فما أول ما ارتخصتم أمر اللّه » قال : زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ، ثم زنى رجل في إثرة من الناس فأراد رجمه ، فحال قومه دونه وقالوا : لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه ، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « فإني أحكم بما في التوراة » فأمر بهما فرجما ، قال الزهري : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ، رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه ، وابن جرير « 2 » . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن عبد اللّه بن مرة ، عن البراء بن عازب ، قال : مرّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم ، فقال « أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ » فقالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم فقال « أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ » فقال : لا واللّه ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل اللّه عز وجل يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي يقولون : ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ قال في اليهود ، إلى قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] قال في اليهود وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ المائدة : 47 ] قال : في الكفار كلها ، انفرد بإخراجه مسلم « 4 » دون البخاري وأبو
--> ( 1 ) ألظ به النشدة : ألحّ في سؤاله . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 589 وسنن أبي داود ( حدود باب 25 ) ( 3 ) مسند أحمد 4 / 286 . ( 4 ) صحيح مسلم ( حدود حديث 28 )