ابن كثير
100
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بغداد ، اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ، ونظم في ذلك شعرا دل على جهله وقلة عقله ، فقال : [ البسيط ] يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له * وأن نعوذ بمولانا من النار ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم ، وقد أجابه الناس في ذلك ، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه اللّه أن قال : لما كانت أمينة ، كانت ثمينة ، ولما خانت هانت . ومنهم من قال : هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة ، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها . وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار ، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال ، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ولهذا قال : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم ، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالا من اللّه ، أي تنكيلا من اللّه بهما على ارتكاب ذلك ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي في انتقامه ، حَكِيمٌ أي في أمره ونهيه وشرعه وقدره . ثم قال تعالى : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللّه فإن اللّه يتوب عليه فما بينه وبينه ، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة : متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها ، وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث . . . عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتي بسارق قد سرق شملة ، فقال : ما إخاله سرق ، فقال السارق : بلى يا رسول اللّه . قال « اذهبوا به فاقطعوه ، ثم احسموه ، ثم ائتوني به » فقطع فأتي به فقال « تب إلى اللّه » فقال : تبت إلى اللّه ، فقال « تاب اللّه عليك » . وقد روي من وجه آخر مرسلا ، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما اللّه . وروى ابن ماجة « 1 » من حديث ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري ، عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ، جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، إني سرقت جملا لبني فلان ، فطهرني فأرسل إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا ، فأمر به فقطعت يده وهو يقول : الحمد للّه الذي طهرني منك ، أردت أن تدخلي جسدي النار . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن
--> ( 1 ) سنن ابن ماجة ( حدود باب 24 ) ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 571 .