ابن كثير
89
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة » « 1 » وذكر تمام الحديث . حديث آخر : - روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها ، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي » ، ثم قال : انفرد به ابن عقيل عن الزهري ، ولم يرو عنه سواه ، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل ، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير . وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق ، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عتّاب ، حدثنا أبو حفص التنيسي - يعني عمرو بن أبي سلمة - حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد ، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن الزهري . ورواه الثعلبي : حدثنا أبو العباس المخلدي أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا صدقة بن عبد اللّه عن زهير بن محمد عن ابن عقيل به . فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح ، كما قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في حجة حجها ، رأى من الناس سرعة « 2 » ، فقرأ هذه الآية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثم قال : من سره أن يكون من تلك الأمة ، فليؤد شرط اللّه منها ، رواه ابن جرير « 3 » ، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم اللّه بقوله تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [ المائدة : 79 ] الآية ، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات ، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم ، فقال تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ أي قليل منهم من يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان . ثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين ومبشرا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين ، فقال تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ وهكذا وقع ، فإنهم يوم خيبر أذلهم اللّه وأرغم أنوفهم ، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم اللّه ، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن ، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ولا تزال عصابة
--> ( 1 ) صحيح مسلم ( جمعة حديث 20 ) ( 2 ) في الطبري : « رأى من الناس رعة سيئة » . والرعة ( بكسر الراء وفتح العين ) أصلها من الورع مثل العدة من الوعد . والمراد هنا سوء الهيئة وسوء الأدب . ( 3 ) تفسير الطبري 3 / 390 .