ابن كثير
78
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وتواعدوا إلى الحرة ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ » وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي اللّه عنهم « 1 » . وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك ، واللّه أعلم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 109 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) يقول تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ منتصبة للقيام بأمر اللّه في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، قال الضحاك : هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة ، يعني المجاهدين والعلماء . وقال أبو جعفر الباقر « 2 » : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ثم قال « الخير اتباع القرآن وسنتي » رواه ابن مردويه . والمقصود من هذه الآية ، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن ، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » « 3 » وفي رواية : وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا سليمان الهاشمي ، أنبأنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرني عمرو بن أبي عمرو ، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأشهلي ، عن حذيفة بن اليمان ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عقابا من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به ، وقال الترمذي : حسن ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، مع الآيات الكريمة ، كما سيأتي تفسيهرا في أماكنها .
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 555 وما بعدها . ( 2 ) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . توفي سنة 114 ه . قيل له الباقر لأنه وعى علما كثيرا ، فكأنه بقر العلم بقرا . ( 3 ) صحيح مسلم ( إيمان حديث 78 ) وسنن الترمذي ( فتن باب 11 ) وسنن النسائي ( إيمان باب 17 ) ( 4 ) مسند أحمد 5 / 388 .