ابن كثير

48

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، قال ابن جريج : يعني يطيع بعضنا بعضا في معصية اللّه ، وقال عكرمة : يسجد بعضنا لبعض فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة ، فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه اللّه لكم . وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر ، فسأله عن نسب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن صفته ونعته وما يدعو إليه ، فأخبره بجميع ذلك على الجلية ، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركا ، لم يسلم بعد ، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح ، كما هو مصرح به في الحديث ، ولأنه لما سأله : هل يغدر ؟ قال : فقلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها ، قال : ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئا سوى هذه ، والغرض أنه قال : ثم جيء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأه فإذا فيه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد رسول اللّه إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فأسلم تسلم ، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين « 1 » و يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ، نزلت في وفد نجران . وقال الزهري : هم أول من بذل الجزية ، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح ، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب ، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟ والجواب من وجوه [ أحدها ] يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين ، مرة قبل الحديبية ، ومرة بعد الفتح . [ الثاني ] يحتمل أن صدر سورة آل عمران ، نزل في وفد نجران إلى هذه الآية ، وتكون هذه الآية ، نزلت قبل ذلك ، ويكون قول ابن إسحاق : إلى بضع وثمانين آية ، ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان . [ الثالث ] يحتمل أن قدوم وفد نجران ، كان قبل الحديبية ، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية ، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة ، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك ، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد اللّه بن جحش في تلك السرية قبل بدر ، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك . [ الرابع ] يحتمل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل ، لم يكن أنزل بعد ، ثم أنزل القرآن موافقة له صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى ، وفي عدم الصلاة على المنافقين ، وفي قوله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] وفي قوله : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ

--> ( 1 ) الأريس : هو الأكار ، أي الحراث والفلاح . والمراد بهم عامة أهل مملكته .