ابن كثير
46
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسلموا عليه ، فلم يرد عليهم ، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا ، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب ، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وكانا معرفة لهم ، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس ، فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن ، إن نبيكم كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا ، فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما ، أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه ، ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم ، ثم قال « والذي بعثني بالحق ، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم » . ثم ساءلهم وساءلوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى ، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما عندي فيه شيء يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى » فأصبح الغد وقد أنزل اللّه هذه الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ - إلى قوله - الْكاذِبِينَ فأبوا أن يقروا بذلك . فلما أصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الغد بعد ما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له ، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي ، وإني واللّه أرى أمرا ثقيلا ، واللّه لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعنا في عينيه وردا عليه أمره ، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة ، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا ، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه ، لا يبقى منا على وجه الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك ، فقال له صاحباه : فلما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال : أرى أن أحكمه ، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا ، فقالا له : أنت وذاك ، قال : فلقي شرحبيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك . فقال : وما هو ؟ فقال : حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لعل وراءك أحدا يثرب « 1 » عليك » ؟ فقال شرحبيل : سل صاحبي ، فسألهما فقالا : ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل . فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه ، فكتب لهم هذا الكتاب « بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما كتب النبي محمد رسول اللّه لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم ، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة ، في كل رجب ألف حلة ، وفي كل صفر ألف حلة » وذكر تمام
--> ( 1 ) ثرّب عليه : لامه وعيّره بذنبه .