ابن كثير

39

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ثم قال تعالى مخبرا عن ملإ بني إسرائيل ، فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام ، وإرادته بالسوء والصلب حين تمالئوا عليه ، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان ، وكان كافرا ، أن هنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا ، ويفرق بين الأب وابنه ، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب ، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك ، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به ، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به ، نجاه اللّه تعالى من بينهم ورفعه من روزنة « 1 » ذلك البيت إلى السماء ، وألقى اللّه شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل ، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى ، فأخذوه وأهانوه وصلبوه ، ووضعوا على رأسه الشوك ، وكان هذا من مكر اللّه بهم ، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون ، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم ، وأسكن اللّه في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم ، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد ، ولهذا قال تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 55 إلى 58 ] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) اختلف المفسرون في قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ فقال قتادة وغيره : هذا من المقدم والمؤخر ، تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك ، يعني بعد ذلك . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : إني متوفيك ، أي مميتك . وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : توفاه اللّه ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه ، قال ابن إسحاق : والنصارى يزعمون أن اللّه توفاه سبع ساعات ، ثم أحياه . وقال إسحاق بن بشر ، عن إدريس عن وهب : أماته اللّه ثلاثة أيام ، ثم بعثه ، ثم رفعه . وقال مطر الوراق : إني متوفيك من الدنيا ، وليس بوفاة موت ، وكذا قال ابن جرير : توفيه هو رفعه ، وقال الأكثرون : المراد بالوفاة هاهنا - النوم ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] . وقال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقول إذا قام من النوم : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا » الحديث ، وقال تعالى : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ - إلى قوله - وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ

--> ( 1 ) الروزنة : فتحة في أعلى السقف .