ابن كثير
3
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الجزء الثاني سورة آل عمران هي مدنية ، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة ، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها ، إن شاء اللّه تعالى ، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة أول البقرة . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 ) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 4 ) قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله ألم في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته ، وتقدم الكلام على قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ في تفسير آية الكرسي . وقوله تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق ، أي لا شك فيه ولا ريب ، بل هو منزل من عند اللّه ، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللّه شهيدا ، وقوله : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد اللّه الأنبياء ، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان ، وهو يصدقها ، لأنه طابق ما أخبرت به ، وبشرت من الوعد من اللّه بإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإنزال القرآن العظيم عليه . وقوله : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ أي على موسى بن عمران ، وَالْإِنْجِيلَ أي على عيسى ابن مريم عليهما السلام ، مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا القرآن هُدىً لِلنَّاسِ أي في زمانهما . وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ وهو الفارق بين الهدى والضلال ، والحق والباطل ، والغي والرشاد ، بما يذكره اللّه تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات ، والبراهين القاطعات ، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك . وقال قتادة والربيع بن أنس : الفرقان - هاهنا - القرآن . واختار ابن جرير « 1 » أنه مصدر هاهنا لتقدم ذكر القرآن في قوله : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وهو القرآن . وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح ، أن المراد بالفرقان هاهنا التوراة ، فضعيف أيضا لتقدم
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 168 .