ابن كثير
21
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سوى الإسلام ، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم اللّه به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن لقي اللّه بعد بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] ، وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ « شهد اللّه إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند اللّه الإسلام » ، بكسر « 1 » إنه ، وفتح أن الدين عند اللّه الإسلام ، أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند اللّه الإسلام ، والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر ، وكلا المعنيين صحيح ، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر ، واللّه أعلم . ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول ، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتاب عليهم ، فقال : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم ، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا ، ثم قال تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ أي من جحد ما أنزل اللّه في كتابه فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي فإن اللّه سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ، ويعاقبه على مخالفته كتابه . ثم قال تعالى فَإِنْ حَاجُّوكَ أي جادلوك في التوحيد فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ أي فقل : أخلصت عبادتي للّه وحده لا شريك له ولا ند له ، ولا ولد له ، ولا صاحبة له ، وَمَنِ اتَّبَعَنِ أي على ديني يقول كمقالتي ، كما قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه اللّه به ، الكتابيين من المليين والأميين من المشركين ، فقال تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي واللّه عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم ، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة ، وهو الذي لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات اللّه وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث ، فمن ذلك قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] وقال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 209 .