ابن كثير
117
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، عن عبيد اللّه عن ابن عباس أنه قال : ما نصر اللّه في موطن كما نصر يوم أحد ، قال : فأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللّه ، إن اللّه يقول في يوم أحد وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول ابن عباس والحسن : القتل حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الآية ، وإنما عنى بهذا الرماة ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقامهم في موضع ثم قال : « احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا » فلما غنم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأباحوا عسكر المشركين ، أكبّت الرماة جميعا دخلوا في العسكر ينهبون ، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا ، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فضرب بعضهم بعضا ، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان النصر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ، ولم يبلغوا - حيث يقول الناس - الغار ، إنما كانوا تحت المهراس ، وصاح الشيطان : قتل محمد ، فلم يشكوا به أنه حق ، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين السعدين نعرفه بتلفته إذا مشى ، قال : ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا ، قال : فرقى نحونا وهو يقول : « اشتد غضب اللّه على قوم دموا وجه رسول اللّه » ويقول مرة أخرى : « اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا » حتى انتهى إلينا فمكث ساعة ، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعل هبل - مرتين يعني إلهه - أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ألا أجيبه ؟ قال « بلى » . فلما قال : اعل هبل . قال عمر : اللّه أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : قد أنعمت عينها فعاد : عنها أو فعال . فقال أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر ، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا عمر . قال : فقال أبو سفيان ، يوم بيوم بدر ، الأيام دول ، وإن الحرب سجال ، قال : فقال : عمر : لا سواء قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . قال : إنكم تزعمون ذلك ، لقد خبنا وخسرنا إذن ، ثم قال أبو سفيان : إنكم تسجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا . قال : ثم أدركته حمية الجاهلية ، فقال : أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه . هذا حديث غريب وسياق عجيب ، وهو من مرسلات « 2 » ابن عباس ، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه ، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد ، عن سلمان بن
--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 287 - 288 . ( 2 ) المرسل في مصطلح الحديث هو ما سقط من إسناده الصحابي ، كأن يقول التابعي : قال رسول اللّه ، ولا يذكر الصحابي الذي أخذه عنه .