ابن كثير

114

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقيل : وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير ، وكلام ابن إسحاق في السيرة « 1 » يقتضي قولا آخر ، فإنه قال : وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي جماعات « 2 » فما وهنوا بعد نبيهم ، وما ضعفوا عن عدوهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن اللّه وعن دينهم ، وذلك الصبر وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . فجعل قوله مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ حالا ، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه ، وله اتجاه لقوله فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ الآية ، وكذا حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحك غيره . وقرأ بعضهم « 3 » قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر عن ابن مسعود رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي ألوف ، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني : الربيون الجموع الكثيرة وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي علماء كثير ، وعنه أيضا : علماء صبر أبرار وأتقياء . وحكى ابن جرير « 4 » عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب عز وجل ، قال : ورد بعضهم « 5 » عليه فقال : لو كان كذلك لقيل : الربيون بفتح الراء ، وقال ابن زيد : الربيون الأتباع والرعية ، والربانيون الولاة . فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا قال قتادة والربيع بن أنس وَما ضَعُفُوا بقتل نبيهم وَمَا اسْتَكانُوا يقول : فما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي اللّه حتى لحقوا باللّه ، وقال ابن عباس وَمَا اسْتَكانُوا تخشعوا ، وقال السدي وابن زيد : وما ذلوا لعدوهم ، وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة : أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي لم يكن لهم هجّيرى « 6 » إلا ذلك فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا أي النصر والظفر والعاقبة وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي جمع لهم ذلك مع هذا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 2 / 112 . ( 2 ) في السيرة : « أي جماعة - فما وهنوا لفقد نبيهم » . ( 3 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 229 ) : « قاتل » هي قراءة الكوفيين وابن عامر وابن مسعود ، واختارها أبو عبيد وقال : إن اللّه إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم ؛ فقاتل أتمّ وأمدح . ( 4 ) تفسير الطبري 3 / 461 . ( 5 ) هم بعض نحويي الكوفة ، كما في الطبري . ( 6 ) الهجيرى : الدأب والشأن .