ابن كثير

111

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد ، كما قال تعالى في سورة البقرة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [ البقرة : 214 ] . وقال تعالى : ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 2 ] الآية ، ولهذا قال هاهنا أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى اللّه منكم المجاهدين في سبيله ، والصابرين على مقاومة الأعداء . وقوله وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم ، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم ، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه ، فدونكم فقاتلوا وصابروا ، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف » « 1 » ولهذا قال تعالى : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يعني الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل . وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش ، وعداوة الذئب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 148 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم ، نادى الشيطان : ألا إن محمدا قد قتل ، ورجع ابن قميئة إلى المشركين ، فقال لهم : قتلت محمدا ، وإنما كان قد ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فشجه في رأسه ، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، وجوّزوا عليه ذلك ، كما قد قص اللّه عن كثير من الأنبياء عليهم السلام ، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال ، ففي ذلك أنزل اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه .

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( جهاد باب 22 ) وصحيح مسلم ( جهاد حديث 20 ) وسنن الترمذي ( فضائل الجهاد باب 23 )