ابن كثير

85

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يتعالى اللّه عنه في اعتقاده ، ولو فهم قوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] وقوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام : 110 ] وما أشبه من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق ، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح ، فلو أحاط علما بهذا لما قال ما قال واللّه أعلم . قال القرطبي « 1 » : وأجمعت الأمة على أن اللّه عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] وذكر حديث تقليب القلوب « اللهمّ يا مثبّت القلوب ثبت قلوبنا على دينك » وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال « تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مرباد « 2 » كالكوز مجخيا « 3 » لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا » الحديث « 4 » ، قال ابن جرير : والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو ما حدثنا به محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر « 5 » صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى تعلو « 6 » قلبه فذلك الران الذي قال اللّه تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 7 » . وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة والليث بن سعد وابن ماجة عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم ثلاثتهم عن محمد بن عجلان به . وقال الترمذي : حسن صحيح . ثم قال ابن جرير : فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل اللّه تعالى والطبع فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها فكذلك

--> ( 1 ) تفسير القرطبي 1 / 187 . ( 2 ) أي اختلط سواده بكدرة . ( 3 ) مجخّيا : مائلا . ( 4 ) تفسير القرطبي 1 / 189 ، وصحيح مسلم ( إيمان حديث 231 ) ( 5 ) في الأصل « واستعتب » . وما أثبتناه عن الطبري . ( 6 ) في الطبري « تغلق » . ( 7 ) سورة المطففين ، الآية : 14 . والحديث في تفسير الطبري 1 / 145 . ورواه أحمد في المسند ( ج 3 ص 154 ) عن صفوان بن عيسى بهذا الإسناد .