ابن كثير

562

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا للأداء ، لحقيقة قوله الشهداء ، والشاهد حقيقة فيمن تحمل ، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية ، واللّه أعلم ، وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد : إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار ، وإذا شهدت فدعيت فأجب ، وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك ، عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه عبد اللّه بن عمرو بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها » فأما الحديث الآخر في الصحيحين « ألا أخبركم بشر الشهداء ؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا » وكذا قوله : « ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم ، وتسبق شهادتهم أيمانهم » وفي رواية « ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون » وهؤلاء شهود الزور ، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعم الحالين التحمل ، والأداء . وقوله : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا ، فقال : ولا تسأموا أي لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله ، وقوله : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو أقسط عند اللّه ، أي أعدل وأقوم للشهادة ، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة ، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه ، كما هو الواقع غالبا وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة . وقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد ، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها . فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثني يحيى بن عبد اللّه بن بكر ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قوله تعالى : وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ يعني أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل ، فأشهدوا على حقكم على كل حال ، قال وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك ، وقال الشعبي والحسن : هذا الأمر منسوخ بقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب ، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري ، وقد رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب عن الزهري ، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ابتاع فرسا من أعرابي ،

--> ( 1 ) المسند ( ج 5 ص 213 )