ابن كثير
550
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة : لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك ، كما قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه : « لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها » وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما ، عند لعن المحلّل في تفسير قوله : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لعن اللّه آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه » ، قالوا : وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ، ويكون داخله فاسدا ، فالاعتبار بمعناه لا بصورته ، لأن الأعمال بالنيات ، وفي الصحيح : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم ، وأعمالكم » وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية ، كتابا في إبطال التحليل ، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل ، وقد كفى في ذلك ، وشفى ، فرحمه اللّه ، ورضي عنه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 276 إلى 277 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 277 ) يخبر اللّه تعالى أنه يمحق الربا ، أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه ، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به ، بل يعدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة ، كما قال تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ المائدة : 100 ] وقال تعالى : وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ، فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [ الأنفال : 37 ] وقال وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [ الروم : 39 ] ، وقال ابن جرير « 1 » : في قوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد « 2 » في مسنده ، فقال : حدثنا حجاج . حدثنا شريك ، عن الركين بن الربيع عن أبيه ، عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل » . وقد رواه ابن ماجة : عن العباس بن جعفر عن عمرو بن عون ، عن يحيى بن زائدة عن إسرائيل عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري ، عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال « ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل » ، وهذا من باب المعاملة ، بنقيض المقصود ، كما قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري ،
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 105 . ( 2 ) المسند ( ج 1 ص 395 ) ( 3 ) المسند ( ج 1 ص 21 )