ابن كثير
548
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ثم قال تعالى : وَمَنْ عادَ أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي اللّه عنه ، فقد استوجب العقوبة ، وقامت عليه الحجة ، ولهذا قال : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقد قال أبو داود « 1 » : حدثنا يحيى بن معين ، أخبرنا عبد اللّه بن رجاء المكي ، عن عبد اللّه بن عثمان بن خيثم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لما نزلت الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من اللّه ورسوله » ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض « 2 » ما يخرج من الأرض والمزابنة : وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض ، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا ، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف ، ولهذا قال الفقهاء : الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة ، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه ، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب اللّه لكل منهم من العلم ، وقد قال تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم ، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ثلاث وددت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا « 3 » - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا - والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله ، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام ، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن الحلال بين والحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » وفي السنن عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وفي الحديث الآخر : « الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس » وفي رواية « استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك » . وقال الثوري عن عاصم ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : آخر ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) سنن أبي داود ( بيوع باب 33 ) ( 2 ) أي أن يعطي المالك الفلاح أرضا يزرعها على بعض ما يخرج منها كالثلث أو الربع . ( 3 ) رواه البخاري ( أشربة باب 5 ) ومسلم ( تفسير حديث 33 ) وأبو داود ( أشربة باب 1 )