ابن كثير
541
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه ، حتى دفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبي : « ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر ؟ » فقال : عدة اللّه وعدة رسوله ، فبكى عمر رضي اللّه عنه وقال : بأبي أنت وأمي يا أبا بكر ، واللّه ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا ، وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر رضي اللّه عنه ، وإنما أوردناه هاهنا لقول الشعبي : إن الآية نزلت في ذلك ، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل ، سواء كانت مفروضة أو مندوبة ، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية ، قال : جعل اللّه صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها فقال بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها فقال بخمسة وعشرين ضعفا . وقوله : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ أي بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرا ، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات . وقد قرئ ويكفر بالجزم عطفا على محل جواب الشرط وهو قوله : فَنِعِمَّا هِيَ كقوله : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [ المنافقون : 10 ] وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 272 إلى 274 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 ) قال أبو عبد الرحمن النسائي : أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم ، أنبأنا الفريابي حدثنا سفيان عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين ، فسألوا فرخص لهم ، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ . وكذا رواه أبو حذيفة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحضرمي عن سفيان ، وهو الثوري به ، وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن يعني الدشتكي ، حدثني أبي عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام ، حتى نزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ إلى آخرها ، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين ، وسيأتي عند قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ الممتحنة :