ابن كثير
539
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كل حكمة ، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني ، عن أبي عمار الأسدي ، عن ابن مسعود مرفوعا « رأس الحكمة مخافة اللّه » وقال أبو العالية في رواية عنه : الحكمة الكتاب والفهم ، وقال إبراهيم النخعي ، الحكمة الفهم ، وقال أبو مالك : الحكمة السنة ، وقال ابن وهب ، عن مالك ، قال زيد بن أسلم : الحكمة العقل ، قال مالك : وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين اللّه ، وأمر يدخله اللّه في القلوب من رحمته وفضله ، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها ، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه ، عالما بأمر دينه بصيرا به ، يؤتيه اللّه إياه ويحرمه هذا ، فالحكمة الفقه في دين اللّه ، وقال السدي : الحكمة النبوة . والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور : لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها ، وأعلاها النبوة ، والرسالة أخص ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع ، كما جاء في الأحاديث « من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه » رواه وكيع بن الجراح في تفسيره ، عن إسماعيل بن رافع ، عن رجل لم يسمه ، عن عبد اللّه بن عمر - قوله : وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع ويزيد ، قالا : حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم ، عن ابن مسعود ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقول « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه حكمة فهو يقضي بها ويعلمها » وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به . وقوله : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل ، يعي به الخطاب ومعنى الكلام . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 270 إلى 271 ] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات ، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده ، وتوعد من لا يعمل بطاعته ، بل خالف أمره ، وكذب خبره ، وعبد معه غيره ، فقال وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي يوم القيامة ينقذونهم من عذاب اللّه ونقمته . وقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي إن أظهرتموها فنعم شيء هي . وقوله : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ، لأنه
--> ( 1 ) المسند ( ج 1 ص 432 )