ابن كثير

523

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قائد العبسي قال : قال عمر رضي اللّه عنه : إن الجبت السحر ، والطاغوت الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال ، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ، ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيا أو نبطيا . وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري ، عن أبي إسحاق عن حسان بن قائد العبسي عن عمر ، فذكره ، ومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان ، قوي جدا ، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها ، والاستنصار بها . وقوله : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب ، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم ، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ، ولهذا قال فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها الآية ، قال مجاهد : العروة الوثقى يعني الإيمان ، وقال السدي : هو الإسلام ، وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني لا إله إلا اللّه ، وعن أنس بن مالك : العروة الوثقى القرآن . وعن سالم بن أبي الجعد قال : هو الحب في اللّه ، والبغض في اللّه ، وكل هذه الأقوال صحيحة ، ولا تنافي بينها . وقال معاذ بن جبل في قوله : لَا انْفِصامَ لَها دون دخول الجنة ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ثم قرأ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا إسحاق بن يوسف ، حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عباد ، قال : كنت في المسجد ، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ، فصلى ركعتين أوجز فيهما ، فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة ، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله ، فدخلت معه فحدثته ، فلما استأنس ، قلت له : إن القوم لما دخلت المسجد ، قالوا : كذا وكذا ، قال : سبحان اللّه ، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لم ، إني رأيت رؤيا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قصصتها عليه ، رأيت كأني في روضة خضراء . قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها - وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء ، في أعلى عروة ، فقيل لي اصعد عليه ، فقلت : لا أستطيع ، فجاءني منصف - قال ابن عون هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي ، فقال : اصعد ، فصعدت حتى أخذت بالعروة ، فقال : استمسك بالعروة ، فاستيقظت وإنها لفي يدي ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقصصتها عليه فقال « أما الروضة ، فروضة الإسلام ، وأما العمود فعمود الإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت » قال : وهو عبد اللّه بن سلام . أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد اللّه بن عون . وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به . طريق أخرى وسياق آخر قال الإمام أحمد « 2 » : أنبأنا حسن بن موسى وعثمان ، قالا : أنبأنا

--> ( 1 ) المسند ( ج 5 ص 452 ) ( 2 ) المسند ( ج 5 ص 452 ، 453 )